فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{ثم ردّوا إلى الله مولاهم الحق} الظاهر عود الضمير على العباد، وجاء عليكم على سبيل الالتفات لما في الخطاب من تقريب الموعظة من السامعين، ويحتمل أن يعود الضمير في {ردّوا} على أحدكم على المعنى لأنه لا يريد ب {أحدكم} ظاهره من الإفراد إنما معناه الجمع وكأنه قيل: حتى إذا جاءكم الموت، وقرئ {ردّوا} بكسر الراء نقل حركة الدال التي أدغمت إلى الراء والراد المحذر من الله أو بالبعث في الآخرة أو الملائكة ردّتهم بالموت إلى الله.
وقيل: الضمير يعود على {رسلنا} أي الملائكة يموتون كما يموت بنو آدم ويردّون إلى الله تعالى وعوده على العباد أظهر و{مولاهم} لفظ عام لأنواع الولاية التي تكون بين الله وبين عبيده من الملك والنصرة والرزق والمحاسبة وغير ذلك، وفي الإضافة إشعار برحمته لهم وظاهر الإخبار بالرد إلى الله أنه يراد به البعث والرجوع إلى حكم الله وجزائه يوم القيامة ويدل عليه آخر الآية.
وقال أبو عبد الله الرازي: صريح الآية يدل على حصول الموت للعبد ورده إلى الله والميت مع كونه ميتًا لا يمكن أن يرد إلى الله بل المردود هو النفس والروح وهنا موت وحياة، فالموت نصيب البدن والحياة نصيب النفس والروح فثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح وليس عبارة عن مجرد هذه البنية وفي قوله: {ردّوا إلى الله} إشعار بكون الروح موجودة قبل البدن لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال إنما يكون إذا كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ونظيره {ارجعي إلى ربك} {إلى الله مرجعكم جميعًا} وجاء في الحديث: «خلقت الأرواح قبل الأجساد بألفي عام».
وحجة الفلاسفة على كون النفوس غير موجودة قبل وجود البدن ضعيفة وبينا ضعفها في الكتب العقلية؛ انتهى كلامه وفيه بعض تلخيص.
وقال أيضًا: {إلى الله} يشعر بالجهة وهو باطل فوجب حمله على أنهم ردّوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه؛ انتهى.
والظاهر أن هذا الرد هو بالبعث يوم القيامة إلا ما أراده الرازي ووصفه تعالى بالحق معناه العدل الذي ليس بباطل ولا مجاز.
وقال أبو عبد الله الرازي: كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} فلما مات تخلص من تصرفات الموالي الباطلة وانتقل إلى تصرف المولى الحق انتهى كلامه.
وتفسيره خارج عن مناحي كلام العرب ومقاصدها وهو في أكثره شبيه بكلام الذين يسمون أنفسهم حكماء.
وقرأ الحسن والأعمش {الحق} بالنصب والظاهر أنه صفة قطعت فانتصبت على المدح وجوز نصبه على المصدر تقديره الرد الحق. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُم الْحَقِّ} وفي متولِّي الرد قولان:
أحدهما: أنهم الملائكة التي توفتهم.
والثاني: أنه الله بالبعث والنشور.
وفي ردهم إلى الله وجهان:
أحدهما: معناه ردهم إلى تدبير الله وحده، لأن الله دبرهم عند خلقهم وإنشائهم، مكَّنهم من التصرف فصاروا في تدبير أنفسهم، ثم كَفَّهم عنه بالموت فصاروا في تدبير الله كالحالة الأولى، فصاروا بذلك مردودين إليه.
والثاني: أنهم ردوا إلى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه إلا الله، فجعل الرد إلى ذلك الموضع ردًا إليه.
فإن قيل: فكيف قال: {مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} وقد قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُم} [محمد: 11]. قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه قال هذا لأنهم دخلوا في جملة غيرهم من المؤمنين المردودين فعمَّهم اللفظ.
والثاني: أن المولى قد يعبر به عن الناصر تارة وعن السيد أخرى، والله لا يكون ناصرًا للكافرين، وهو سيد الكافرين والمؤمنين.
و{الْحَقِّ} هنا يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن الحق هو من أسمائه تعالى.
والثاني: لأنه مستحق الرد عليه.
والثالث: لحُكْمِهِ فيهم بالرد. اهـ.

.قال ابن كثير:

وقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ} قال ابن جرير: {ثُمَّ رُدُّوا} يعني: الملائكة {إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ}.
ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة في ذكر صعود الملائكة بالروح من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عَزَّ وجل حيث قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعْرَج بها إلى السَّماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبْشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عَزَّ وجل. وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء. فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول» هذا حديث غريب.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ} يعني: الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: 49، 50]، وقال: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} إلى قوله: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 47- 49]؛ ولهذا قال: {مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}. اهـ.

.قال الألوسي:

{ثُمَّ رُدُّواْ} عطف على {تَوَفَّتْهُ} [الأنعام: 61] والضمير كما قيل للكل المدلول عليه بأحد وهو السر في مجيئه بطريق الالتفات، والإفراد أولًا والجمع آخرًا لوقوع التوفي على الإنفراد والرد على الاجتماع.
وذهب بعض المحققين أن فيه التفاتًا من الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأن الرد يناسبه الغيبة بلا شبهة وإن لم يكن الرد حقيقة لأنهم ماخرجوا من قبضة حكمه سبحانه طرفة عين.
ونقل الإمام القول بعود الضمير على الرسل أي أنهم يموتون كما يموت بنو آدم، والأول هو الذي عليه غالب المفسرين.
والمراد: ثم ردوا بعد البعث والحشر أو من البرزخ {إِلَى الله} أي إلى حكمه وجزائه أو إلى موضع العرض والسؤال {مولاهم} أي مالكهم الذي يلي أمورهم على الإطلاق ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ} [محمد: 11] لأن المولى فيه بمعنى الناصر {الحق} أي العدل أو مظهر الحق أو الصادق الوعد.
وذكر حجة الإسلام قدس سره أن الحق مقابل الباطل وكل ما يخبر عنه فإما باطل مطلقًا وإما حق مطلقًا وإما حق من وجه باطل من وجه، فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقًا والواجب بذاته هو الحق مطلقًا والممكن بذاته الواجب بغيره حق من وجه باطل من وجه، فمن حيث ذاته لا وجود له فهو باطل ومن جهة غيره مستفيد للوجود فهو حق من الوجه الذي يلي مفيد الوجود، فمعنى الحق المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته الذي منه يؤخذ كل حقيقة وليس ذلك إلا الله تعالى، وهذا هو مراد القائل إن الحق هو الثابت الباقي الذي لا فناء له.
وفي التفسير الكبير أن لفظ المولى والولي مشتقان من الوَلْيُ: أي القرب وهو سبحانه القريب (البعيد...) ويطلق المولى أيضًا على المعتق وذلك كالمشعر بأنه جل شأنه أعتقهم من العذاب وهو المراد من قوله سبحانه: «سبقت رحمتي غضبي» وأيضًا أضاف نفسه إلى العبيد وما أضافهم إلى نفسه وذلك نهاية الرحمة، وأيضًا قال عز اسمه: {مولاهم الحق} والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الجاثية: 32] فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة وانتقل إلى تصرف المولى الحق انتهى.
وهو كما ترى.
وادعى أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية لأن صريحها يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله تعالى والميت مع كونه ميتًا لا يمكن أن يرد إلى الله تعالى لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة لتعاليه سبحانه عنهما بل يجب أن يكون مفسرًا بكونه منقادًا لحكم الله تعالى مطيعًا لقضائه وما لم يكن حيًا لا يصح هذا المعنى فيه فثبت أنه حصل هاهنا موت وحياة أما الموت فنصيب البدن فتبقى الحياة نصيب الروح ولما قال سبحانه: {رُدُّواْ} وثبت أن المردود هو الروح ثبت أن الإنسان ليس إلا هي وهو المطلوب، وكذا تشعر بكون الروح موجودة قبل التعلق بالبدن لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال إنما يكون لو كانت موجودة كذلك، ونظيره قوله سبحانه: {ارجعى إلى رَبّكِ} [الفجر: 28] وقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} [الأنعام: 60] ولا يخفى ما في ذلك فتدبر.
وقرئ {الحق} بالنصب على المدح.
وجوز أن يكون على أنه صفة للمفعول المطلق أي الرد الحق فلا يكون حينئذ المراد به الله عز وجل والأول أظهر. اهـ.

.قال ابن عاشور:

والضمير في قوله: {رُدّوا} عائد إلى {أحد} باعتبار تنكيره الصادق بكلّ أحد، أي ثمّ يُردّ المتوفَّوْن إلى الله.
والمراد رجوع الناس إلى أمر الله يوم القيامة، أي ردّوا إلى حكمه من نعيم وعذاب، فليس في الضمير التفات.
والمولى هنا بمعنى السيد، وهو اسم مشترك يطلق على السيد وعلى العبد.
و{الحقّ} بالجرّ صفة ل {مولاهم}، لما في {مولاهم} من معنى مالكهم، أي مالكهم الحقّ الذي لا يشوب مِلكه باطلٌ يُوهن ملكه.
وأصل الحقّ أنَّه الأمر الثابت فإن كلّ ملك غير ملك الخالقية فهو مشوب باستقلال مملوكه عنه استقلالًا تفاوتًا، وذلك يُوهن المِلك ويضعف حقّيّته. اهـ.

.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ...} الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن الله مولى الكافرين ونظيرها قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.
وقد جاء في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ}.
والجواب عن هذا أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء، ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين أي ولاية المحبة والتوفيق والنصر، والعلم عند الله تعالى.
وأما على قول من قال: إن الضمير في قوله: {رُدُّوا}، وقوله: {مَوْلاهُمُ} عائد على الملائكة فلا إشكال في الآية أصلًا، ولكن الأول أظهر. اهـ.

.قال الفخر:

أما قوله: {أَلاَ لَهُ الحكم وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين} ففيه مسائل:
المسألة الأولى:
قوله: {أَلاَ لَهُ الحكم} معناه أنه لا حكم إلا لله.
ويتأكد ذلك بقوله: {إن الحكم إلا لله}، وذلك يوجب أنه لا حكم لأحد على شيء إلا الله، وذلك يوجب أن الخير والشر كله يحكم الله وقضائه، فلولا أن الله حكم للسعيد بالسعادة والشقي بالشقاوة، وإلا لما حصل ذلك.
المسألة الثانية:
قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله حكم، وهو أخذ الثواب، وذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا لله.
المسألة الثالثة:
احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله تعالى.
قال لو كان كلامه قديمًا لوجب أن يكون متكلمًا بالمحاسبة.
الآن: وقبل خلقه، وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم وأصحابنا عارضوه بالعلم، فإنه تعالى كان قبل الخلق عالمًا بأنه سيوجد، وبعد وجوده صار عالمًا بأنه قبل ذلك وجد، فلم يلزم منه تغير العلم، فلم لا يجوز مثله في الكلام. والله أعلم.
المسألة الرابعة:
اختلفوا في كيفية هذا الحساب، فمنهم من قال: إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة، لا يشغله كلام عن كلام، ومنهم من قال بل يأمر الملائكة حتى أن كل واحد من الملائكة يحاسب واحدًا من العباد، لأنه تعالى لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم، وذلك باطل لقوله تعالى في صفة الكفار: {ولا يكلمهم} [آل عمران: 77]، وأما الحكماء فلهم كلام في تفسير هذا الحساب، وهو أنه إنما يتخلص بتقديم مقدمتين.
فالمقدمة الأولى: أن كثرة الأفعال وتكررها توجب حدوث الملكات الراسخة القوية الثابتة والاستقراء التام يكشف عن صحة ما ذكرناه.